أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

399

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« بنو فلان يردفوننا » أي : « يجيئون بعدنا » . وقال أبو عبيدة : « مُرْدِفِينَ » : جاءوا بعد ، وردفني وأردفني واحد . قال الفارسي : هذا الوجه كأنه أبين ، لقوله تعالى : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ، فقوله : « مُرْدِفِينَ ، أي : جائين بعد ، لاستغاثتكم » . ومن فتح الدال فهم مردفون على أردفوا الناس ، أي : أنزلوا بعدهم . وقرأ بعض المكيين فيما حكاه الخليل « مردّفين » بفتح الراء وكسر الدال مشددة . والأصل « مرتدفين » ، فأدغم . وقال أبو البقاء : « إنّ هذه القراءة مأخوذة من ردّف بتشديد الدال على التكثير ، أو أن التضعيف بدل من الهمزة ، ك « أفرجته وفرّجته » . وجوز الخليل بن أحمد ضم الراء اتباعا لضمة الميم ، كقولهم : مخصّم بضم الخاء ، وقد قرىء بها شذوذا . وقرىء « مردّفين » بكسر الراء وتشديد الدال مكسورة . وكسر الراء يحتمل وجهين ، إمّا لالتقاء الساكنين ، وإمّا للاتباع . قال ابن عطية : « ويجوز على هذه القراءة كسر الميم ، اتباعا للراء ، ولا أحفظه قراءة » . قلت : وكذلك الفتحة في « مردّفين » في القراءة التي حكاها الخليل تحتمل وجهين : أحدهما : وهو الظاهر : أنها حركة نقل من التاء حين قصد إدغامها إلى الراء . والثاني : أنها فتحت تخفيفا ، وإن كان الأصل الكسر ، على أصل التقاء الساكنين ، كما قد قرىء به . وقرىء « مردّفين » بكسر الميم ، اتباعا لكسرة الراء . والوجل : الفزع . وقيل : استشعار الخوف ، يقال منه : وجل يوجل ، وياجل ، وييجل ، وييجل ، وجلا ، فهو وجل . والشّوكة : السلاح كسنان الرمح ، والنّصل والسيف ، وأصلها من النبت الحديد الطرف ، ك « شوك السّعدان » ، يقال منه : « رجل شائك » فالهمزة من « واو » ، ك « قائم » ، ويجوز قلبه بتأخير عينه بعد لامه ، فيقال : « شاك » ، فيصير ك « غاز » ، ووزنه حينئذ : « فال » . قال زهير : 2402 - لدى أسد شاكي السلاح مقذّف * له لبد أظفاره لم تقلّم « 1 » ويوصف السلاح بالشاكي ، كما يوصف به الرجل ، فيقال : رجل شاك ، وشاك ، وسلاح شاك ، وشاك . فأما « شاك » فصحيح غير معتل الآخر ، وألفه منقلبة عن عين الكلمة ، ووزنه في الأصل على « فعل » لا بكسر العين ، ولكن قلبت ألفا ، كما قالوا : كبش صاف ، أي : صوف ، كذلك « شاك » ، شوك ، ويحتمل أن يكون محذوف العين ، وأصله « شائك » ، فحذفت العين ، فبقي « شاكا » ، فألفه زائدة ، ووزنه على هذا « فال » . وأما « شاك » فمنقوص ، وطريقه بالقلب ، كما تقدم . ومن وصف السلاح بالشاك قوله : 2403 - وألبس من رضاه في طريقي * سلاحا بذعر الأبطال شاكا « 2 » فهذا يحتمل أن يكون محذوف العين ، وأن يكون أصله « شوكا » ، ك « صوف » . ويقال أيضا : « هو شاكّ في السلاح » بتشديد الكاف ، من « الشّكّة » ، وهي السلاح أجمع ، نقله الهروي ، والراغب والاستغاثة : طلب الغوث ، وهو النصر والعون . وقيل : الاستغاثة : سدّ الخلّة وقت الحاجة . وقيل : هي الاستجارة . ويقال : غوث ، وغواث ، وغواث . والغيث من المطر ، والغوث من النصرة ، فعلى هذا يكون « استغاث » مشتركا بينهما ، ولكن يقع الفرق بينهما في الفعل ، فيقال : استغثته فأغاثني من الغوث ، وغاثني من الغيث . و « الإرداف » : الاتباع والإركاب وراءك . وقال الزجاج « أردفت الرجل إذا جئت بعده » . ومنه : تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ . ويقال : ردف وأردف ، واختلف اللغويون ، فقيل : هما بمعنى واحد ، وهو قول ابن الأعرابي ، نقله عنه ثعلب ، وقول أبي زيد ، نقله عنه أبو عبيد ،

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) انظر البيت في البحر المحيط ( 4 / 455 ) .